علي الهجويري
452
كشف المحجوب
فصل في الآراء المختلفة في السماع المشايخ وأهل الحقيقة متمسكون بآراء مختلفة في هذا الموضوع فالبعض يقولون : إنه وسيلة للغيبة لأن السماع في مشاهدة الله تعالى محال إذ أن المحب حين يتصل بمحبوبه إنما يثبت نظره عليه ولا يحتاج لسماعه فالسماع خبر والخبر عند العيان بعد وانشغال ، وعلى ذلك فالسماع وسيلة السالكين التي يستعملونها إذا غلبت عليهم الغفلة لكي ينالوا الجمع ولكن من سبق جمعه فإن السماع لا بد أن يقطعه عنه والبعض يقولون : إن السماع وسيلة الحضور لأن المحبة تتوق إلى الكلية حتى يفنى المحب في كل المحبوب وكما أن القلب له المحبة والسر له المشاهدة والروح لها الجمع والجسم له الخدمة فكذلك الأذن يلزم أن يكون لها بهجة كما للعين في حاسة النظر وما أحلى قول ذلك الشاعر الذي قاله هازلا : ألا فاسقنى خمرا وقل لي هي الخمر * ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر يعنى دع عيني تنظر إليه ويدي تلمسه ولساني يذوقه وأنفى يشمه ولما كان قد بقيت لي حاسة لزم أن تنتهج به وهو السمع قل لي أن ذلك خمر حتى تشعر أذني بتلك البهجة التي شعرت بها الحواس . وقد قالوا أن السماع موصل إلى الحضور مع الله تعالى لأن من كان غائبا عن الله تعالى فهو منكر ومن كان منكرا ، لا يستحق أن يتمتع بالسماع ، وعليه فالسماع على نوعين بواسطة وبغير واسطة ، فالسماع الذي يكون مصدره القارئ يكون سببا للغفلة ولكن السماع من المحبوب واسطة للحضور وعليه فإن أحد مشاهير المرشدين قال : إني لا أضع أي مخلوق في المكان الذي أسمع منه أو أتحدث معه إلا من اختصهم الله .